عبد الكريم الخطيب
989
التفسير القرآنى للقرآن
فهب أن طائفة من هذه الطوائف ، خلت بطعام فالتهمته ، أو وقعت على شجرة من أشجار الفاكهة فأتت عليها - أيكون في مستطاع أحد أن يستردّ ما أكل الذباب ؟ ذلك محال . . وفي التعبير عن أكل الذباب « بالسلب » إشارة إلى أن ما أكله لم يكن عن رضى من أصحاب هذا المأكول . . فهو أشبه بالسلب والغصب ، وفي هذا إظهار لضعف الإنسان ، ووقوعه تحت بأس هذا المخلوق الضعيف ، الذي يعدّ أضعف ما خلق اللّه ، في عالم الأحياء ! وفي قوله تعالى : « ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » تعريض بالإنسان ، وبغروره الذي يخيّل إليه أنه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا . . إنه والذباب على سواء ، كلاهما عاجر ضعيف . . وإن كان الذباب - في بعض الأحوال - أقوى منه ، وأقدر على الكيد له ! وليس هذا التصوير لضعف الإنسان ، استخفافا به ، وإطفاء لجذوة الطموح المتّقدة في كيانه ، وإنما هو استشفاء للإنسان من داء الغرور ، الذي كثيرا ما يستبدّ به ، ويفسد عليه وجوده ، فإذا هو - وقد استوى على ظهر الغرور - قوة غاشمة ، وإعصار مجنون ، وعاصفة هو جاء ، تهلك الحرث والنسل ، حتى إذا انطلقت إلى غايتها دارت حول نفسها دورة ، ثم هوت كما تهوى الصاعقة في الوحل والطين ! إن الإسلام ليستقبل كل ما يفتح به العلم للناس من أسرار الوجود ، في حفاوة وإعزاز ، إذ كان ذلك - كما قلنا - هو الطريق المستقيم إلى اللّه ، وهو الذي يقيم العقول والقلوب على الإيمان باللّه ، إيمانا مصفّى من كل ريب ، مبرأ من كل ضعف . . فهذا الكون هو كتاب مفتوح لكل ناظر ، وآيات اللّه المبثوثة في هذا الوجود ، هي مراد لأنظار العلماء ، ومسبح لخواطرهم ومداركهم . .